أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
152
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فإن قيل إن موسى عاتبه على مخالفة الأمر فاحتج هو بالحقيقة ونفوذ الحكم فإن كان هذا الاحتجاج مقبولا فلم لا يقبل من المشركين في قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] وفي قوله : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ يس : 47 ] فإنه احتجاج بالحقيقة ونفوذ الحكم ، وهو احتجاج لا يعارض به الشريعة . فالجواب أن الاحتجاج بالحكم مع مخالفة الأمر والإصرار على المعصية لا يقبل فإذا دعي الكافر إلى الإيمان والعاصي إلى التوبة فقال لا حول ولا قوة إلا بمشيئة اللّه ، فإن هذا احتجاج لا يقبل . قال بعض العلماء في قول المشركين : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] هذا كلام حق أرادوا به باطلا فلا يقبل منهم ، فإنهم لم يقولوه توحيدا ولا تسليما فلو قال ذلك عاص تاب من ذنبه نادما على ما سلف ثم عيّره إنسان بذنبه بعد توبته ورجوعه إلى حال الصلاح فاحتج بالحكم ، فذلك مقبول في الشريعة . وقال لي أستاذي : قل نؤمن بالقدر ولا نحتج به إلا في المصائب لا في المعائب إلا للتائب . أمثلة : فيمن زعم أن التمسك بالحقيقة يغني عن اتباع الشريعة . وقد تبين أن الحكم بالأسباب ومراعاة الأمر والنهي فرق وعبودية وشريعة والنظر إلى تصريف اللّه في خلقه جمع وتوحيد وحقيقة ، فالحقيقة إذا باطن الشريعة ، ولا يغني ظاهر عن باطن ولا باطن عن ظاهر . فمثال المتمسك بالشرع الغافل عن التصريف والحكم مثال عبد مملوك أعطاه سيده مالا وعلّمه التجارة وكان لسيده حرمة يرعاه بها حيث ما توجه ، فاتجر العبد زمانا وسافر شرقا وغربا في جاه سيده حتى حصلت له أرباح كثيرة ، فغفل عن منة سيده وإسبال جاهه ورعايته لأجله ، ونظر إلى اجتهاده وكسبه فمن أولى من هذا باللوم والعتاب ومن أحق منه بالطرد والحجاب . ومثال الناظر إلى التصريف والحكم المعرض عن الشرع مثال عبد سلم إليه سيده خزائن ماله وأمره بالإنفاق على عياله والقيام بمصالح بهائمه ، فقال في نفسه أنا من جملة العبيد وسيدي يطعم من يريد ، وهو الغني الحميد ، فخالف أمر سيده وضيّع عياله ، وأهلك أهله وأمواله ، فهذا مثال من خالف وصف العبيد وزعم أنه معتمد على التوحيد ، وهو كمن ألقى نفسه من فوق جبل وقال لا يموت أحد إلا بالقضاء والأجل ، أو كمن شرب السم القاتل وقال كل مقدور حاصل ، أو سرق مال مسلم وأكله ، وقال هذا رزق يسّره اللّه لي وسهّله ، ويا ليت شعري كيف يترامى المخالف